مراجعة آخر أفلام غيبلي: When Marnie Was There

حين كانت مارني هنا، هو آخر أفلام غيبلي قبل توقف الإنتاج انتظارا لإعادة هيكلة الاستديو لشيء لايعرف طبيعته حتى العاملين فيه، ومقتبس من رواية بريطانية للكاتبة Joan G. Robinson تحمل الاسم ذاته، الفيلم الهادئ يدور حول صداقة بين فتاة يابانية اسمها (آنا) وفتاة أجنبية غامضة اسمها (مارني)، تلتقيان معا حين تنتقل آنا إلى الريف في فترة نقاهة تساعدها على التعافي من مرض الربو.

كل ما يقدمه الفيلم يعتمد على شخصياته، آنا منعزلة، شديدة الهدوء، رسّامة ماهرة لكنها تكره نفسها وترفض الاختلاط بزملائها في المدرسة أو إقامة أي صداقات، كما تتجنب أمها بالتبني، لا تحدثها ولا تسيء إليها، بل لا تشعرها بوجودها من الأساس. حين قررت أمها بالتبني أن ترسلها لأقارب في الريف اعتقدت آنا أنها تسعى للتخلص منها لأنها سيدة كثيرة القلق، في ابتعادها عنها مصلحة مشتركة، فتذهب. أول بوادر التغيير ظهرت حين التقت بالزوجين الذين سيستقبلانهما في منزلها، كبيران في السن، ضاحكان، كثيرا الفوضى ويبادران بالحديث مع الفتاة وتشويقها للحياة في الريف الهادئ ويحكيان لها عن ابنتهما والبلدة وعملهما … الخ. الصمت الذي أحاطت نفسها به يبدأ تدريجيا بالتداعي في وجود هذين الزوجين، ولذلك تقرر أن تبتعد، ترسم في القرية بالقرب من البحر وتستكشف المنطقة المحيطة بها لتجد منزلا كبيرا مهجورا يفصله المد والجزر عن البلدة، تمشي على الشاطئ لتصله في وقت الجزر، وتخفي المياه الأرض الجافة في وقت المد، هذا الواقع تجهله الفتاة الجديدة وتجد نفسها وحيدة بالقرب من المنزل بعد أن نامت أثناء استكشافها، وتلتقي بأول شخص في القرية وهو رجل صامت أيضا، يقلها بقاربه من المنزل إلى الضفة من دون أن ينطق بحرف واحد وكان تواجده صدفة بحتة في ذاك المكان، وبطبيعة الحال تتخذه آنا رفيقا لأنهما يتشاركان قلة الكلام حد الصمت.

مارني الشقراء تظهر بداية في أحلام آنا تطلب منها المجيء إلى المنزل، وتتحول الأحلام إلى حقيقة حين تتجه آنا إلى هناك وتجد قاربا ينتظرها ليساعدها في الوصول بعد أن غطى مد البحر الأرض، من اللحظة التي تلتقي فيها الشخصيتان يتضح الفارق، مارني جريئة ومبادرة بينما تبقى آنا خجولة صامتة، لكنها تبدأ بالانفتاح على صديقتها الوحيدة وتتكرر اللقاءات لتتقارب الشخصيات أكثر، وكأي فتاتين تبدآن بمقارنة حياتهما، هذه المقارنة تجلب ذكريات سيئة وتكشف عن خفايا النفس. الظاهر فقط هو ربع الحكاية وماتخفيه البطلتان هو الأهم.

النصف الأول ينقضي ونحن نتابع تطور صداقة هاتين الاثنتين والأوقات التي تقضيانها معا على الرغم من أن وجود مارني نظريا مستحيل، فهي تسكن المنزل الذي يعلم الجميع أنه مهجور! كما أن حضورها يشوش واقع آنا وذاكرتها عن الأوقات التي تقضيها في النهار بعيدا عن صديقتها، يزداد التشوش مع مضي الوقت وظهور شخصيات أخرى، قرب منتصف الفيلم، ليهدد علاقتهما معا.

غريبة هي القصة، تأخذ وقتا طويلا في التطور والانتقال إلى حدث حقيقي يستعيد انتباه المشاهد، من الصعب أن تبقي على تركيزك مع النمط البطيء للأحداث يجعلها أقرب للملل، الانتقال الحقيقي لعقدة القصة يأتي بعد مضي أكثر من منتصف الوقت، حين تقتحم شخصيات جديدة السكون المحيط بالبلدة والصداقة التي تربط آنا ومارني،النصف الأول ينقضى بمتابعتك لخروج آنا من اكتئابها وعزلتها وتحولها إلى شخص أكثر حيوية، أو “شخص حي”، بينما تتغير مارني من الفتاة البشوشة الجريئة إلى أخرى تقيّدها مخاوف لايدري عنها أحد ووحدة تكاد تقضي عليها، تتبادل الاثنتان الأدوار وكأن أرواحهما انتقلت من جسد واحدة إلى أخرى، ويجمعهما كلاهما الوحدة والافتقاد إلى عائلة تكترث لهما.

حتى الغموض الذي يحيط بالشخصيات هادئ جدا، سواء كانت البطلتان، أو رجل القارب الصامت أو السيدة التي ترسم قرب الشاطئ موجهة نظرها إلى المنزل القديم أيضا. لكنه كأي أفلام غيبلي، مليء بالصور والرسومات المعبرة، والموسيقى التصويرية الهادئة.

المصدر : قناة

Previous ArticleNext Article