مراجعة فيلم A Most Violent Year لأوسكار إيزاك وجيسيكا تشاستين

منذ  صدور الفيلم في ديمسبر الماضي كان الاستقبال النقدي والجماهيري له إيجابيا، ويبدو أن الجميع اتفقوا على أن “الأداء” استثنائي من بطلي الفيلم جيسيكا تشاستين وأوسكار إيزاك. بعد مشاهدتي له قبل أسبوع تقريبا فهمت لم كان الحديث عن الممثلين والتمثيل طاغيا مع أن موضوع الفيلم مهم “نظريا”.

إن كنت قد قرأت عنه أو شاهدته من قبل، فستعلم أن الأحداث تدور في نيويورك 1981 والتي يقال أنها أكثر السنوات عنفا في تاريخ المدينة، آبيل موراليس (أوسكار إيزاك) وزوجته آن (جيسيكا تشاستين) ينتقلان إلى المدينة مع بناتهما سعيا لتوسيع عمل الزوج، وهو يملك شركة نقل وتخزين للبترول ومشتقاته. في المشهد الأول نرى آبيل وهو يتفاوض مع مجموعة من اليهود ويطلب منهم شراء أرض التي يملكونها، والتي يريد أن يبني فيها مقر شركته ومخازنه، اليهودي العجوز والذي يبدو أنه كبير العائلة يطلب من آبيل تفسيرا لرغبته الملحة على شراء أرض يمكن أن يأخذها بالإيجار في مدينة ملعونة تسيطر عليها الجريمة، آبيل يبرر ذلك برغبته بامتلاك ما يعمل به، سيفهم المشاهد أن موراليس كان يحاول شراء الأرض منذ سنوات، وأن الموافقة هذه فرصة لايمكن تعويضها، يطلب العقد أن يسدد المشتري كامل المبلغ خلال شهر حتى تنتقل له الملكية التامة بعد دفعه عربونا من مئات آلاف الدولارات. موراليس يبدو واثقا ويوافق على العقد الصعب والذي يقتضي خسارة العربون والأرض إن لم يتمكن من السداد.

اختلاف الفيلم يكمن في بطء سير الأحداث ومحدودية الشخصيات، عدا عن آبيل وآنا موراليس، نجد المدعي العام لورنس والذي يحقق منذ سنوات في دقة وقانونية أعمال موراليس لاشتباهه بتورطه مع المافيا (كحال الجالية الإيطالية الثرية بالعموم في ذلك الوقت) خصوصا وأن عائلة الزوجة آنا من العصابات. ورغم التحقيقات التي استمرت لسنوات ولازالت باقية لم يتمكن المدعي العام من إيجاد شيء لأن آبيل، للغرابة الشديدة، نزيه جدا ولايتعامل سوى بالقانون والقانون وحده، وذلك وضعه في خلاف مع العوائل والعصابات المسيطرة في محيط عمله.

في فيلم من هذا النوع ستتوقع مشاهد مطاردة، قتل، تخطيط وتفجير وأمور مشابهة، لكن الأحداث القليلة من هذا النوع كان المتأثر بها “دانييل” سائق الناقلة المنكوب الذي تعرض للاعتداء، وسرقت ناقلته، وهو أمر تكرر مع السائقين الذين يعملون لصالح شركة موراليس مما تسبب له بأزمة حقيقة، مادية ومهنية إذ يرفض السائقون العمل عنده لأنه لايعرف الفاعل ولا يمكنه حمايتهم ويرفض استخدام السلاح، وترفض الشركات التعامل معه خوفا من السرقة.

دانييل، بالإضافة للأزمة المالية التي يتعرض لها آبيل والتي تهدد بخسارته للأرض والعربون، يزيد من القضية تعقيدا ويفتح بابا لدخول شخصيات أخرى إلى القصة.

يعتمد المخرج على انتباه المشاهد، رغم أن الفيلم طويل إلا أنه قليل التفاصيل والإيضاحات، عبارات تتطاير هنا وهناك من شخصيات مختلفة تتطلب تركيز المشاهد كي يستوعب مايحدث ويبني نظرياته الخاصة حول هوية السارق وتاريخ موراليس. شخصية آبيل استثنائية، طوال 125 دقيقة وهي مدة الفيلم ورغم الضغوطات الكبيرة التي يتعرض لها لا يعمد إلى العنف، لايرفع صوته، لايصرخ إلا في مواقف نادرة يجد فيها تهديدا حقيقيا لأخلاقياته والمبادئ التي يعيش بها وتشكل حياته، الأمر الذي تختلف فيه زوجته “آنا” عنه والتي لا تتورع للجوء لمختلف الوسائل مقابل حماية عائلتها ونفسها سواء خالفت القوانين أو استغفلت زوجها. العلاقة بين هذين الاثنين عميقة رغم التناقض بينهما، إلا أنك ستفهم أن “آبيل” شخصية قوية للغاية، يملك إرادة حديدية مكنته من كبح سلوكيات زوجته رغم نشأتها في وسط العصابات، وجعلته يعيش معها بسلام مظهرا لها إخلاصا والتزاما تامّين، في العمل كذلك، السيد موراليس يخاطر ويحث العاملين معه على المخاطرة بالتزام القانون وليس مخالفته، في عصر تسيطر عليه الجريمة  ويبدو من الحماقة أن يلتزم رجل مثله أسس امبراطوريته من الصفر، حين كان سائقا قبل أن يملك شركة نقل، بالقانون حين لايتمكن القانون من حمايته وحماية الموظفين لديه ولايملك المدعي الذي يراقب خطواته أدنى فكرة عن هوية من يسبب المتاعب، في ظروف كهذه يعتبر الالتزام بالقانون حماقة وهو مايجمع عليه كل من آنا، مدير أعمال موراليس، العاملون لديه ورئيس السائقين، لكنه يتجاهل الجميع متسببا بأضرار كان يمكن تفاديها ومخاطرا بحياته وحياة من يهتم لأمرهم.

آنا والسائق دانييل كانا جرس الإنذار من داخل منزله، ومن عمله، الاثنان يعكسان تبعات تصرفات آبيل موراليس والأضرار الجانبية التي يتسبب بها عناده، الشخصيتان تصلان إلى نهايات مختلفة، دانييل وآنا، لكنهما كانا جرس إنذار ومؤشرا منذ البداية وحتى النهاية، كتبعات لواقع يحذره منه الجميع ويرفض هو الخضوع لمخاطره. آنا أو السيدة موراليس استثنائية أيضا، ذكية، جميلة، نافذة ونبيهة جدا، تعمل مع زوجها في الشؤون المالية وتتابع حسابات الشركة وتتفاوض مع المستثمرين والكفلاء المحتملين، وتتقن كل ماتقوم به لدرجة مثيرة للإعجاب، هي أيضا متماسكة وتجد مخرجا من كل المواقف الصعبة التي تجد نفسها فيها، وتملك رؤية مبعدية لايملكها زوجها عملت على قلب الأحداث وزيادة حدتها، ورغم أن زوجها يثق بها إلا أنه يخشى ذكائها أيضا، يعتمد عليها ويبقي عينيه مفتوحتين، لايخفي عنها شيئا لكنه يترقب ردود فعلها ويحاول منعها من الانزلاق إلى نفس المسار الذي يسلكه كل من حوله. العلاقة بينهما قوية للغاية، يحبان بعضهما، مخلصان، يساندان بعضهما وكل واحد يفهم الآخر تماما، هذا الفهم يضفي حدة ووضوحا صارخين لكل المشاهد التي تجمعهما معا، سواء كان هناك حوار بينهما أم كان صامتا، سواء كان مشهدا يجمعهما في المنزل أو في العمل، مع أبنائهما أو شركائهما، الاثنان واضحان جدا كأنهما الوجهان الملوّنان في صورة بالأبيض والأسود.

قد لايحوي الفيلم الكثير إلا أنه يفاجئ المشاهد بشكل مستمر، ويبقيه مترقبا يوجه تركيزه التام لكل ما يقال، يدقق في الوجوه والتعابير والنظرات والابتسامات الجانبية، لايشفي غليله تماما لكنه لايستنفذ صبره.

المصدر : قناة   

Previous ArticleNext Article