مراجعة فيلم The Book Thief، الموت يأخذ الأجساد ويترك لنا الباقي

أثناء الحرب العالمية الثانية والتجهيز لها ومقاتلة هتلر للشيوعيين واليهود، تتعرض عوائل كثير للتفكك، إما يموت أطفالها، أو يعرضون على عوائل أخرى للتبني لأن أهلهم يضطرون للهروب من منازلهم ومدنهم إلى أماكن أخرى خوفا من فتك الجيش النازي، والحرب بالعموم، بهم.

قصة “سارقة الكتب” تبدأ مع الفتاة الصغيرة Liesel Meminger التي تخرج من وطنها هي وأمها وأخوها الصغير في رحلة قطار طويلة في طرق يغطيها الجليد، الصبي الصغير يموت وتبقى ليزيل وحيدة مع أمها التي تعطيها لمندوبة الصليب الأحمر كي تسلمها للعائلة الجديدة التي سوف تتبناها، وهي مكونة من رجل طيب اسمه هانس هبرمانوزوجته البغيضة القاسية روزا، والتي تبدأ بمعاملة الفتاة بقسوة وعداء منذ البداية قائلة أن الاتفاق ينص على إعطائهم فتاة وأخوها، بينما تصل الفتاة وحدها إليهم.

حين يبالغ أحد الأبوين بالقسوة يبدأ الآخر بالعطف أكثر من المعتاد على الابن الذي لاذنب له، وهذا ما يحدث بين هانس الذي يشفق على الفتاة الخجولة، والتي لاتعرف القراءة رغم احتفاظها بكتاب عن حفر القبور، ولا تعرف ما مصير أمها ومتى ستعود إليها، إن عادت، تتكون بين الرجل والفتاة الصغيرة علاقة قوية تتجاوز الأبوة نحو الصداقة والتآمر والحب المشترك للمعرفة والأفق الواسع.

ليزيل تواجه صعوبة متوقعة في التأقلم مع منزل جديد، أم جديدة لا يبدو أنها ترحب بوجودها وأب طيب للغاية يعاني من البطالة وقسوة زوجته ولسانها السليط، لكن إصرار ابن الجيران الأشقر ذو الشعر الفاتح “رودي” على أن يكون صديقا لها يغير حياتها وسلوكها تحاه الآخرين. مع رودي تتمكن من الاختلاط بالمجتمع الغريب الذي يتهمها بعض من فيه بأنها شيوعية، مع رودي تلعب في الأزقة وتتآمر معه على زملائهم البغيضين في المدرسة، رودي اللطيف الذي يبدو أصغر من سنه يحمل شجاعة كبيرة مقاربة لشجاعة ليزيل وتجعل منه صديقها المخلص الوحيد.

تجري الأحداث في فترة الحرب العالمية الثانية بنسق تصاعدي، في حين كان النازيون يسيطرون على مسار الحرب حتى عام 1942، يسلط الفيلم الضوء على حال المجتمع الألماني في تلك الفترة المستقرة، التعليم النازي، المجتمعات التي تتزايد عنصريتها مع الوقت تجاه كل ماهو مختلف عنهم بالعرق أو اللون أو الثقافة، حتى البطل الأولومبي أسرع رجل في العالم، أسود البشرة، لم يسلم من العداء.

ليزيل ورودي يحافظان على صداقتهما في خضم هذه الأحداث ويكبران معا لكن لا يتغيران، يراقبان مايحدث حولهما، خيانة الجيران لبعضهم وإبلاغهم عن كل من يشتبه بأنه يهودي. الأب هانس يواجه ضغوطات من زوجته التي تتذمر دوما من الفقر وضيق ذات اليد واضطرارها للعمل وحدها بينما يقضي هو وقته عاطلا، كما يلاحقه أحد أصدقائه في الحزب النازي باستمرار طالبا منه الانضمام، وفي وسط تلك المعمعة يصل زائر غير متوقع إلى منزل آل هبرمان هربا من النازيين ويضطر هانس لإبقائه عنده مخفيا عن الجميع ماعدا زوجته وابنته لأنه يدين لأب الزائر الغريب والخطر بالكثير، ولو انكشف وجوده سيكون مصير العائلة كلها مخيفا.

إضافة شخصية جديدة للقصة تأخذها إلى بعد أكثر عمقا وإثارة، فليزيل تبدأ بسرقة الكتب مرة أخرى لتسلية المختبئ والذي تشعر بقرب كبير منه لوجود كثير من المشتركات بينهما، كما تحاول أن تبقي على الأمر سرا حتى عن رودي الذي يشعر بأن صديقته لاتثق به بما يكفي، ويثبت لها بأنها يمكنها الاعتماد عليه بطريقة جنونية.

ليزيل، رودي، الأب، الأم، والزائر الغريب ماكس، جميعهم يحاولون التعايش مع تراجع القوات الألمانية في الحرب، القصف المتكرر، التجنيد الإجباري، غياب التسامح واستعداد الناس للتضحية بغيرهم مقابل سلامتهم الشخصية. الفيلم سيظهر معاناة كل الأطراف والأثر الذي تتركه الحرب على الجميع أيا كان موقعه وأيا كانت الجبهة التي ينتمي لها. الموت هو العامل المشترك، والموت هو “الرواي” في هذه القصة.

الوقت لايسعف الجميع، وهو أمر تعيه ليزيل منذ البداية وبشجاعة كبيرة تخاطر لأن تجعل الأيام التي تمر على ضيفهم الغريب أقل وحدة وصعوبة، لتخفف وطئة الخوف والهروب والعزلة والشمس التي لم يرها منذ زمن، ليزيل تكون نافذته على العالم الخارجي التي لم تخيب ظنه يوما، ولطالما أبهرته، وسيبقى أثر صداقتهما حتى آخر أيام عمرها.

المصدر : قناة

Previous ArticleNext Article