مراجعة الدراما القصيرة The Casual Vacancy لكاتبة هاري بوتر

The Casual Vacancy دراما قصيرة من ست حلقات، مدة الحلقة ساعه كاملة من إنتاج الـ BBC وكتابة J.K.Rowling، وتحكي قصة مفرطة الواقعية لحد السوداوية والإحباط، عن مواطنين يعيشون في الضواحي الفقيرة لبلدة ريفية بريطانية، هذه الضواحي يطلق عليها “Estate” وهي عبارة عن أراضي كان يعطيها الإقطاعيون للمزارعين الذين يعملون عندهم ليسكنوا بها، الـ Estate مكون من منزل الإقطاعي الكبير، مزارعه ومنازل متهالكة للعاملين. في العصر الحديث أصبحت هذه الأماكن مقرا لسكن الفقراء والمعدمين والطبقة الدنيا من المجتمع المتورطة بكثير من المشاكل، من الإدمان والجريمة والفساد الأخلاقي. المنزل الكبير تم تحويله لمقر تقديم خدمات طبية، رعاية اجتماعية وتزويد السكان بالغذاء والمؤن.

القصة تدور في بلدة Pagford الريفية، وفيها المستشارون الاجتماعيون أعضاء المجلس البلدي الذين يصوتون على كل القرارات المتعلقة بالبلدة والإقطاعية التابعة له، هذه المجموعة تضم أطباء، تجار، معلّمين وموظفي رعاية اجتماعية وإلى هذه الفئة ينتمي بطل القصة الطيب Barry Fairbrother زوج ماري، ورجل يتحلى بإحساس هائل بالمسؤولية ورغبة صادقة بمساعدة المستفيدين من الخدمات الاجتماعبة بما فيها الشابة “كريستال” وأمها مدمنة المخدرات وأخوها الصغير روبي.

منذ البداية نجد أن أعضاء المجلس البلدي يصوتون على قرار يدعمه زعيمهم العجوز هوارد موليسون وزوجته ويقضي بتحويل المنزل الكبير الذي يقدم الخدمات لسكان الإقطاعية إلى منتجع سياحي، وبالطبع سيكسبان من وراء ذلك قدرا من المال لكنهما يدّعيان أن الأمر سيجذب السيّاح إلى منطقتهم، وBarry يعترض ويحاول إقناع الجميع بأن الدافع هو المصلحة المادية والرغبة بالفصل العنصري بين الفقراء (الذين سيضطرون لاستقلال الحافلة إلى بلدة أخرى للحصول على الخدمات التي كان يقدمها المنزل) وبين سكان البلده من المستقرين ماديا وخصوصا موليسون التاجر الذي يكره وجود هذه الطبقة ويعتقد أنهم حثالة لايستحقون المساعدة وكل المال الذي يحصلون عليه يستخدمونه بالحصول على الكحول والمخدرات وإفساد حياة كل من حولهم.

لسوء حظ المخلصين لمهنتهم، ولفقراء الإقطاعية، يموت Barry ويترك البلدة وراءه في حالة من الصراع على من يأخذ مكانه، ومن هنا نجد الأساليب التي يتبعها الجميع للحصول على هذا المنصب البسيط والدوافع التي تحركهم. كل المتقدمين كانت تحركهم رغبات شخصية، طمع بالمال، رغبة بإتمام مشروع المنتجع، أو دفع من حوله ليأخذ هذا المنصب كي لايقع في يد المستغلين.

واقع البلدة الصغيرة يطرح موضوع العلاقات العائلية والاجتماعية بشكل قوي، العدد البسيطة من السكان والظروف المادية الصعبة والخيارات البسيطة في مكان صغير تجعل من العوائل أكثر تماسكا (سطحيا على الأقل)، السكان يعرفون بعضهم ومايحدث في منزل الآخرين يعرف به سكان الشارع الآخر.

آل موليسون (العجوز وزوجته) أناس استغلاليون منافقون يتظاهرون باهتمامهم بمصلحة البلدة بينما تحركهم مصالحهم الشخصية فقط، بالإضافة لنظرتهم التحقيرية من الآخرين واعتقادهم بأن من يختار الإدمان طريقا له فلا يستحق المساعدة، حتى لو كان له أطفال لاعلاقة لهم بأخطاء آبائهم وقد يلحق بهم نفس المصير إن لم يحاول أحد مساعدتهم وإنقاذهم، يتدخلون بحياة ابنهم الأكبر (متزوج وبناته مراهقات وهو في الـ 43 عاما) ويحاولون السيطرة عليه لحد تعرض حياته العائلية للخطر.

آل Wall عائلة مكونة من الأب كولين معلم في المدرسة وصديق للراحل باري، وزوجته Tess عضوة في مجلس البلدة وأخصائية اجتماعية، وابنهم المنحط ستيوارت الذي لايفكر سوى بالنساء والمخدرات مع انه في الـ 16 أو 17 من عمره. الآباء في هذه العائلة كانوا يشاركون باري نواياه الصادقة، Tess كانت مقرّبة له، سايمون أضعف من أن يواجه الآخرين بآرائه لكنه يحاول أن يدعم زوجته قدر الإمكان.

عائلة الطبيبة جاواندا، وهي عضوة في المجلس أيضا ومتزوجة من جراح تجميلي يجني الكثير من المال، وهو ما لاتحترمه كثيرا، وكانت أيضا من الجبهة الطيبة المقربة من باري والتي تعارض المنتجع، لكنها تواجه صعوبات في التعامل مع ابنتها التي تتخذ وضع المراقب فقط لكل مايحيط بها ولا تملك أدنى اهتمام بالاندماج بالمجتمع.

آل برايس وهي عائلة مكونة من الأخ غير الشقيق لباري سايمون برايس وابناه المراهقان آندرو المقرب جدا من عمه وأخوه الأصغر، والأب مسيء ومؤذي ومضطهد لأبنائه كما أنه لايتورع عن السرقة متى ما وجد ذلك ملائما ولايحمل أي قيما أو أخلاقيات

آل Weedon الذين كانوا تحت رعاية باري، الابنة كريستال في المدرسة الثانوية، الأم مدمنة للمخدرات والابن الصغير روبي الذي تعتني به كريستال رغم أنها ليست مؤهلة تماما لذلك، هذه العائلة وتحديدا الأبناء يتضررون من نظام الرعاية الاجتماعية الذي يغير المشرف المسؤول من دون استشارة العائلة، حتى لو تأقلموا مع الشخص الذي كان يعمل معهم وأحسوا ناحيته بارتياح، سيقوم المكتب بتغييره من دون التفكير بالأشخاص الذين تقدم لهم الرعاية وماسيكون شعورهم حين يتوجب عليهم أن يبدؤوا من جديد دوما.

يسلط المسلسل الضوء على الحياة التي تحظى بها هذه الشخصيات التي تعكس مجتمعا بأكمله، كل الحالات ليست استثنائية فهي متكررة في كل بلدة تحوي إقطاعية وفي كل مدينة يسكن الفقراء جزءا محددا منها. نظرة الإنسان لنفسه عامل كبير في احترام الناس له، كريستال لم تحمل احتراما لذاتها بعيدا عن جسدها الجميل لذلك لم تستطع جذب أشخاص جيدين إلى حياتها رغم أنها فتاة مسؤولة وجيدة من الداخل، وباري رأى ذلك فيها وأصر على أن ترتقي بنفسها وتتعلم كي تحصل على فرص أكبر بالحياة، لكن برحيله فقدت هي الدافع رغم أن الرغبة لم تغادرها وستطفو إلى السطح في أحيان كثيرة، وهذه مشكلة يعاني فيها كل من هم في أحوالها، وهو غياب التقدير والاحترام الذاتي والرضوخ تحت وطأة المجتمع السيء والظروف العائلية المزرية.

تدخل آل موليسون بحياة ابنهم سواء بالسلب أو الإيجاب (رغم أنهم يرون أنهم محقون دوما) يكاد أن يدمر حياته، نظرة أمه الانتقاصية تجاه زوجته أثرت على علاقته بها وببناته أيضا، رغم أن التدخل كان مطلوبا ومقدرا في فترة من حياتهم، إلا أنها لا تتخلى عن الوصاية عليهم أبدا، ولا تمنح للزوجين فرصة لبناء حياة ونظام خاص بهما.

كثير من القضايا الاجتماعية سيتم طرحها، هل الغاية تبرر الوسيلة؟ آندرو يتبع أساليب ملتوية لمنع غير المستحقين من أخذ منصب عمه باري، لكن هل هذا مبرر؟ وهل يكون أمرا طيبا دوما؟ هذا الشاب الطيب والذي يطمح لأن يخرج من سيطرة أبيه السيء تربطه صداقة بالمنحط ستيوارت، لكن كيف سيتأثر به أو يؤثر به؟ وهل سيتلغب الصديق الطيب على الصديق السيء أم العكس؟

الواقعية المفرطة والرسم الدقيق للشخصيات بحيث تتعرف في عدد منها على أشخاص تعرفهم أنت في حياتك، أعطى المسلسل طابعا سوداويا، النوايا الصداقة في مواجهة الفساد، الاستغلاليون، عديمي الأخلاق، المعنّفون، المهملون، تعساء الحظ، الفقراء وتواجدهم تحت رحمة الآخرين، كل هذا يتم طرحه في 3 ساعات. العالم لن يكون أفضل بعد أن تنتهي منه، بالعكس، سيكون أكثر سوءا، لكن لأنه طرح الحقيقة فقط من دون تجميل، ومن دون منح المشاهد أملا بأن الحال سيتحسن للأفضل إلا لقلة قليلة من الشخصيات.

المصدر : قناة

Previous ArticleNext Article